جديد الصوتيات
جديد المقالات
جديد الجوال
جديد الفيديو


جديد الأخبار

جديد الفيديو

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

01-08-2017 07:51

تقلبات الدنيا وأحوالها لا تتوقف
أشدها وأوجعها وآلمها فقد الأحبة ممن لهم في القلب منزلة والروح مكان.
لقد عاشت بلادنا فترات صعبة سابقة من الفاقة والجوع والحاجة التي لم تكن سببا في التنازل عن القيم والمبادئ الجميلة الراقية.
فعاش أباؤنا حياة صبر وكفاح
يلتحفون بالإيمان واليقين بوعد الله.
ثم بطلب الرزق والعيش أخذاً بالأسباب
كانت تلك الحياة تحمل معها مصاعب ومشاق لفت بقصص رائعة من العصامية.
وكانت حياتهم مليئة بالكثير من الدروس التي نحتاجها اليوم وتحتاجها أجيالنا.
وكان رحيل الشيخ عبدالرحمن بن محمد الراشد الحميد رحيلاً لواحد من أولئك الجيل الرائل الذين لم تكن حياتهم مفروشة بالورود والذهب
كان أول لقائي ومعرفتي بالشيخ عبدالرحمن بن محمد الراشد الحميد متأخر نسبياً حيث كان في عام 1430هـ أثناء مشاركة دار الثلوثية في معرض الكتاب الدولي بالرياض.
كنت جالسا في جناح الدار وإذا برجل يقلب الكتب وقد بدت عليه ملامح التقدم بالعمر لكن ملامح الوقار كانت واضحة بادية عليه.
بادرت بالسلام عليه وعرفته بنفسي ثم سألني مباشرة عن العم سليمان بن عبدالله المشوح نزيل مكة وهو من أوائل أهالي بريدة الذين استقروا في مكة فور دخول الملك عبدالعزيز إليها فأخبرته بأنه بمقام العم وأنه أحد كبار أسرتنا رحمه الله.
فأثنى عليه وعلى كرمه وتعامله.
ثم عرفني بنفسه وقال أنا عبدالرحمن بن محمد الراشد الحميد فتلقيت تعريفه بالترحيب الحار والكبير لما لأسرته وأعمامه الكرام الوجهاء إبراهيم وعبدالله وعبدالعزيز من مكانة لدى الجميع وخصوصاً في بريدة .
ومن الذي لا يعرف هذا الاسم الكبير "الراشد الحميد"
فكان اسم أسرتهم يتردد على ألسنة والدي وأعمامي مذ كنت صغيراً.
وأدركت في سنين الطفولة "الكشتة" في "الدغمانيات" أحد كبرى واوائل المزارع في المملكة العربية السعودية وأجملها واتقنها.
ثم تبادلنا الحديث وأبدى فرحه بوجود كتب معالي الشيخ محمد العبودي وقال أنه يتابعها جميعاً إلا أنه بحث عن الجديد ولديه بعض النواقص .
وكان سؤاله سؤال العارف القارئ المتابع فأخبرته بأننا في الدار نعنى بكتب شيخنا محمد العبودي وأننا حرصنا على توفرها وتواجدها للقراء والباحثين فطلب فوراً تجهيز جميع كتب الرحلات والمعاجم وقال لا استحضر المتوفر عندي لكن حتى لو تكررت لا مانع فهو كتاب ووجوده خير وبركة خصوصاً كتب الشيخ محمد العبودي.
ثم صارت العلاقة والصداقة فكان لا يترك معرضاً للكتاب في الرياض إلا ويحضر وأطلب منه التفضل بالجلوس فأسعد بزيارته واستمتع بحديثه الذي لا يمل.
بل اصبح يتردد على دار الثلوثية في موقعها بين وقت وأخر ويطلب الجديد.
تحدثت معه عن أسرته الكريمة ووالده وأعمامه وأن لهم تاريخاً وطنياً واجتماعياً واقتصادياً هاماً لم يكتب ولم يدون.
ورجوت منه أن يسعى لكتابه مفصلة عن تاريخ الأسرة فأحاطني علماً أنه كتب مذكرة عائلية خاصة عن جده تناول فيها تاريخ الأسرة خصوصاً والده وأعمامه ووعدني أن يأتي لي بنسخة منها مع كونها لم تدون لتصبح كتاباً وإنما سعى لتكون إضاءات للأسرة فقط وهي حديث عفوي كما يقول.
وبالفعل وفَّى رحمه الله فأحضر لي نسخة صغيره مكونة من "46" صفحة كتب عليها "لمحة تاريخية خاصة" لكنها مليئة بالفوائد المتنوعة عنه وعن أسرته ففرحت بها كثيراً.
حيث تناول فيها قصة جده بأسلوب جميل سلس يعبر عن ذائقة ثقافية وحس مميز للعرض والسرد.
ثم سبَّب الكتابة بأنها بطلب وإيعاز من أخيه صالح وأورد تاريخ ولادة والده محمد سنة 1305هـ حيث عمل في النخيل والزراعة وأورد العديد من القصص والطرائف الجميلة عنه.
ثم أورد توقَّف جده عن العمل مبكرا وخصوصاً بعد أن كبر أبنائه من طرفة الصالح المديفر وهم إبراهيم وعبدالله وعبدالعزيز وسليمان وتفرغ للآذان في مسجد بن فدا إلى أن كبر وصار لا يستطيع الآذان وقد توفي سنة 1362هـ.
ودفن في قبر أعده لنفسه بمقبرة " الصقعاء" ببريدة . مع أن المسجد قد بناه الجد "راشد" إلا أنه عرف باسم إمامه الشيخ عبدالله بن فدا وهو كذلك أي الشيخ ابن فدا جد والد الفقيد عبدالرحمن لأمه حيث والدته هي حصة العبدالله الفدا
واهتمام الفقيد الشيخ عبدالرحمن بالكتب كان ليس جديدا بل كان مبكرا حيث يورد رحمه الله هذه القصة ويقول "كان والدي محمد رحمه الله يحتفظ ببعض الكتب التي رأيتها عنده عندما بدأت "أفك الخط" وعلق بذهني ذاك الكتاب دن أن أحفظ اسمه وعلق بذهني بسبب صورة المؤلف بالصفحات الأولى رجل بلباس غريب على "لباس غربي" وصورة لشخص بدوي كتب تحتها الإمام عبدالله بن سعود في طريقه إلى الأستانة وصورة كتب تحتها مسجد بالعارض وبقي في ذهني ذلك الكتاب حتى وجدته بعد أن تخرجت من الجامعة وهو كتاب تاريخ نجد لأمين الريحاني وقد عرفته من الصورة التي علقت بذهني.
لقد تحدث عن والده الذي هو واحد من أبرز رجال العقيلات حيث جاب الجزيرة العربية من بيشه في الجنوب إلى العراق وبلاد الشام وفلسطين والأردن ولبنان وسيناء ومصر والصعيد كله وغيرها.
كما أورد قصة انتقال والده من بريدة إلى حائل بعيد دخوله تحت حكم الملك عبدالعزيز حيث كان استقرار والده سنة 1346هـ
وسرد سردا جميلاً رائعاً قصص زواج والده وانتقاله ثم صداقته مع سليمان الحمد الطعيمي حيث كانت اسفارهم سوياً
أما صداقة والده الكبرى فكانت مع الشيخ عبدالله بن سليمان بن بليهد قاضي حائل الذي حذره من التوسع المالي وأن يصيبه " كسرة" كما تسمى وبالفعل وقع ما حذره منه الشيخ ابن بليهد فأنكسر مالياً والده ثم ارتحل إلى بريدة في قصة مدهشة مؤثرة وأورد العديد من المواقف للجد " راشد" ولوالده الذي بقي ليس بيده شيء في بريدة حيث يقول " أثناء إقامة الوالد في بريدة لم يكن بها إلا الجد راشد وهو متوقف عن العمل والعم صالح في دكان على قدر الكفاف أما الأعمام إبراهيم وعبدالله وعبدالعزيز وسليمان فكانوا بالغربية (بلاد الشام) وفي نهاية إقامة الوالد في بريدة وصل العم إبراهيم ولاشك أنه ليس في مقدوره أن يعمل للوالد شيء يذكر إلا أنه وعندما قرر الوالد السفر إلى الرياض اقترض من صديقيه سليمان الوشمي وصالح العمري وكانا شريكين في دكان واحد اقترض جنيهين ذهبية وأعطاها الوالد وهي كل ما يملك عند وصوله للرياض، وصلنا الرياض بسيارة شحن وفي مساء اليوم الثالث من سيرنا من بريدة وصلنا بعد منتصف الليل في ليلة من أوائل ليالي شهر رمضان عام 1360هـ وعندما تجاوزنا الجبيلة مقبلين على الرياض وعلى بعد حوالي 50كم ولصفاء الجو والظلام الدامس ظهر لمبة واحدة على قصر الملك عبدالعزيز بالصفاة وحوالي ثلاثة أو أربع لمبات على قصر الامير محمد بن عبدالرحمن في عتيقة وحيث ان الوالد سبق أن زار الرياض في أوائل استقرار الملك عبدالعزيز بها رأى أن في هذه اللمبات طفرة بالنسبة للرياض .
ثمتوقفت السيارة بنا بالمقيبرة قرب بيت أخو صاحب السيارة محمد الجار الله وكانت المقيبرة هي المركز التجاري ففيها مبيعة الحطب والأعلاف ودكاكين ومخبزين أو ثلاثة ومركز شرطة وسوق اللحم.، تفرق الركاب الذين لهم بيوت بالرياض أما الباقي فقد دعاهم صاحب السيارة على طعام السحور فقدموه حاراً وهو عبارة عن أرز ومطبوخ على عجل بالماء والملح وفترة بقائنا على ظهر السيارة لا أزال أسمع نباح الكلاب وتعاركها على الطاولات التي يباع عليها اللحم بل والتبول عليها وفي الصباح يعرض عليها اللحم دون أي تنظيف ولا المسح بالخرق وعندما شرقت الشمس ذهبنا إلى بيت أحمد الغصن لضيافته وكان بيته مضافة لأنه ميسور الحال فهو من موظفي الخاصة الملكية ولا عنده عائلة ولا يخلو بيته من الضيوف إلى أن جلب عائلته من بريدة.
فتح الوالد دكان عبدالله المرشد وأستأجر بيتاً قبل نهاية شهر رمضان وكنت أنا الطباخ والقهوجي وصبي الدكان.
ثم أخذ الشيخ عبدالرحمن يردد بعض المواقف له ولوالده أثناء إقامتهم هناك
أما القصة الأعجب فهي مع قصة والده مع صديقه محمد العلي الصانع حيث يورد الشيخ عبدالرحمن القصة الرائعة التالية " محمد العلي الصانع المذكور كان قد أقام في حائل لفترة من الزمن في أول شباه عند قريباً له اسمه عبدالرحمن الجار الله وعمل سمساراً بالسوق ينادي على أي شيء سباع ويشتري وذات مرة كان ينادي على جنيهاً ذهبياً واحدا فقط جنيه ذهبي واحد ينادي عليه بالمزاد بسوق المدينة من أوله لاخره يزيد هذا ربع قرش ويزيد الآخر مثل ذلك حتى يستقر المزاد على أحدهم فتتم الصفقة وكانت قيمة الجنيه الذهبي آنذاك في حدود اثنا عشر ريالاً فرنسياً وأثناء المزاد وقف محمد الصانع مع شخص اسمه رشيد الخرمة أذكره شخصياً وقف يتحدث معه ويساوم على الجنيه.
كان هناك طريقة بسيطة لفحص الجنيه ونقاوته وهي أن يضع الجنيه على طرف الإصبع السبابة من الجنب ويوضع إصبع الإبهام تحتها ويعمل منه مطرقة زنبركية تقذف الجنيه بالهواء محدثاً رنيناً خاصاً تعرف منه نقاوة الذهب، قام محمد بهذه العملية امام رشيد ولكن الجنيه لم يسقط في يد محمد فانحنى محمد ليلتقطه من الأرض فلم يجده وأخذ محمد ورشيد وبعض المارة في البحث عن الجنيه فلم يجدوه ولو أنهم ربما نخلو التراب وهنا ثار ثائرة صاحب الجنيه واتهم محمد بإخفائه وصارت مشادة كلامية وهدد صاحب الجنيه بالشكوى على أمير حائل آنذاك عبدالعزيز بن مساعد بن جلوي بن تركي آل سعود وهو حاكم حاد وسريع الحكم والتنفيذ فما كان من الوالد حين بلغه الأمر إلا أن خاف على محمد الصانع فزكاه من تهمة إخفائه للجنيه ودفع جنيها من جيبه لصاحبه وبعد فترة من الزمن قد تصل للسنة قام رشيد المذكور بارتداء معطف شتوي كان يلبسه وادخل يده في جيوب المعطف فإذا به يجد الجنيه بداخله أي أن الجنيه لم يسقط بيد محمد ولا الأرض بل سقط في جيب معطف رشيد الخرمة، ودارت الأيام حتى استقر محمد الصانع وتوفي بعد أن تجاوز الثمانين من العمر وبعد أن أصبح من اصحاب المليارات
لم ينس محمد الصانع موقف الوالد من تلك الحادثة فأكرم الوالد غاية الإكرام وساعده كما ذكرت، ويشاء الله أن يتولى محمد الصانع العناية بجنازة الوالد حينما توفي وتنحن في بريدة وليس عنده إلا الأخ صالح والأخ عبدالله فقد اتصل صالح الحوشان على الاخ صالح يسأله عن الوالد في الدقائق التي توفي فيها وكان صالح الحوشان بالسوق التجاري فبلغ محمد العلي الصانع الذي قام بإبلاغ الجماعة ودعوتهم للصلاة عليه في الجامع الكبير بالرياض ودفن في مقبرة العود تاريخ 8/7/1394هـ الموافق 8/8/1974م.
لقد سعى الشيخ عبدالرحمن رحمه الله إلى أن يدوّن طرفاً من أحداث قصة أسرة الراشد الحميد الكبرى.
والتي كان لها إسهامها الوطني الكبير حيث كان أعمام الفقيد إبراهيم وعبدالله وعبدالعزيز وسليمان كونوا أكبر مصرف بالمملكة بعد أن بدأ الصرافة في بغداد في أوائل الستينات الهجرية.
وبلغت فروعهم آنذاك أربعة عشر فرعاً ولهم فروع في بيروت والكويت والبحرين واسسوا شركة كهرباء بريدة وشركة كهرباء عرعر وساهموا مساهمة أساسية في شركة كهرباء الرياض واهتموا بأعمال الزراعة الحديثة في بريدة.
واستوردوا المعدات الزراعية والحفارات واجهزة الري والحصادات.
وهم أي الراشد الحميد أول من جلب سيارة قلاب بالقصيم واول من ملك سيارة خاصة صغيرة في نجد كانت من نوع شفروليه موديل 50 وكان ثمنها آنذاك كما يقول الشيخ عبدالرحمن رحمه الله اثنا عشر ألف ريال.
وبوفاة الشيخ عبدالرحمن الراشد الحميد تفقد الأسرة أحد أبرز رجالها العصاميين الذين ذاقوا مرارة العيش وكافحوا من أجلها .
احتفظ رحمه الله بسجل كبير من الذكريات تمنيت أن يستمر في سردها للأجيال لتكتب صفحة مهمة من تاريخ الوطن لا تنسى.
رحم لله أبا صلاح واسكنه فسيح جناته وبارك في ذريته وعقبه.

وكتبه
محمد بن عبدالله المشوح

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 617


خدمات المحتوى


د محمد بن عبدالله المشوح
د محمد بن عبدالله المشوح

تقييم
9.66/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.